مختارات
الرئيسية / ثقافة و أدب / غريق .. بقلم : شيرين بدران *
شيرين بدران

غريق .. بقلم : شيرين بدران *

 

مدت ذراعها من النافذة وهي تداعب الخيط الدافيء المنبعث من الشمس بكفها المسطح ، تميل به يمينا ويسارا ، كمن يراقصها … تحرك أصابعها كمن يعزف على أوتاره تفتح يدها وتغلقها تحاول الإمساك به ، ف يمارس نفس لعبته الذكية معها ينفلت منها فى اللحظة الأخيرة ، بعد أن يهيئ لها أنها فعلا لمسته .سرى الدفئ إلى مسامها بلطف أنعش قلبها ، وأثار بداخلها الكثير من الفضول لكشف غموضه ، وحل لغزه ، لا تراه. …لا تسمعه …ولا حتى تستطيع الإمساك به ولمسه . إذن فكيف له أن يخترقها بهذه البراعة ؟
أمن المعقول أن يكون ساحر !!؟؟؟
من صغرها وهي تلعب مع خيوط الشمس كرفقاء خفاف الظل يبعثون البهجة دوما أينما وجدوا ،فعندما ترفع رأسها لأعلى تلمح تغير ما في عالمها الذي غرقت ف ظلامه منذ ولادتها … نعم .هناك أشياء تظهر لم تكن موجودة من قبل .. خيوط الشمس هي الوحيدة التي تغير وتجدد عالمها الذي يشوبه السواد طيلة الوقت ، هناك خطوط جديدة مختلفة تبعث السعادة لعالمها القاتم ، الذي لا تعرف غيره منذ أن جاءت للحياة ، واحد إثنان ثلاثة أربعة ….. لا تعرف عددهم بالتحديد . لقد حاولت عدهم أكثر من مرة وكل مرة تفشل ….من الواضح أنهم لا يشبهوا بعضهم نهائيا ، في الحقيقة هي لا تعلم ما هي أوجه الإختلاف بينهم تحديدا ، ولكن … كل ما تعرفه أن خيوط الشمس هي الوحيدة القادرة على إضافة لمسة سحرية لعالمها ذو الظلام الحالك.
عالمها خاص بها هي فقط … عبارة عن مجموعة من الخيوط حالكة السواد تشابكت رأسيا وأفقيا بعدما اقتربت من بعضها البعض ،حتى تلاحمت وصارت قطعة واحدة ، قطعة واحدة حالكة السواد ، لا تعرف غيرها رفيقا ، كم تبغضها ؟كم تشعر أنها تحول بينها وبين عالم آخر ، مملوء بالزهور والأشجار والألوان المبهجة ….. أكم من مرة سآلت نفسها مندهشة … ألوان ؟؟؟ مامعنى هذه الكلمة ؟ ولماذا تضفي البهجة للقلوب ؟؟ وما فائدة تلك الألوان ؟ ولماذا خلقها الله للبشر ؟
فمن وجهة نظرها أن وجودها من عدمه لا يغير شيء ف الحياة ، بدليل أنها لا تعرف حتى معناها ، وتعيش وتتنفس وقلبها ينبض وتأكل وتشرب وتنام مثلها مثل أي إنسان طبيعي..
بل بالعكس لقد تعرفت على فلسفة جديدة …. تعلمت ان تتعمق ف مغزى الأشياء وعدم الإهتمام بالمظاهر الخداعة التي بالفعل لا تراها …. ف التفاحة المعطوبة من الداخل لا تؤكل مهما كان لونها ملفت ونضر … أي أنه فى النهاية الذي سيقرر مدى صلاحية التفاحة من عدمها هو طعمها وليس لونها .
مع الوقت وجدت إنه لا مفر من مصادقة تلك القطعة السوداء الحقيرة ، أخذت من خيوطها السوداء أصدقاء لها ، ومع الوقت أحكمت السيطرة عليهم .. كمن يحرك خيوط العرائس (الماريونيت) .. يمينا ويسارا أعلى .. أسفل … قررت أن تخلق السعادة لعالمها التعيس بشتى الطرق … وهل من طريقة أخرى ؟؟ غير التأقلم والتكيف مع وضعها الحالي وأن تتقبل الوضع كما هو عليه ، سواء شاءت أم أبت لن يغير هذا من الواقع شيء ؛ حتى يتسنى لها العيش في عالمها المظلم … في نفس الوقت الذي تحاط به بعالم آخر صاخب بالأضواء والألوان و يشتعل بالحركة والبهجة ….لكنه للأسف ليس عالمها … لا تستطيع السيطرة على خيوطه هو الأخر.. مثلما أجادت التحكم بخيوط عالمها … فى عالمها فقط، و الذي تعرفه منذ الصغر ،ولدت ونمت وكبرت ونضجت فيه …لا تعرف له لون سوى “الأسود ” .
ولكنها أيقنت ..
أن الغرق في ظلمة الإبصار … أهون كثيرا من الغرق فى ظلمة العقول .
* كاتبة وروائية مصرية

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

عن ELkebar-admin

رئيس تحرير مجلة الكبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*