مختارات
الرئيسية / وجهات نظر / “تجليات المكان عند نجيب محفوظ قصة الجامع في الدرب نموذجا” .. بقلم / د. دالــــيا حســــن
د. داليا حسن

“تجليات المكان عند نجيب محفوظ قصة الجامع في الدرب نموذجا” .. بقلم / د. دالــــيا حســــن

الحقيقة أن تجربة “دنيا الله”، تجربة ضخمة في القصة القصيرة ، ونجيب يبدو فيها في قمة عنفوانه ،ففيها أصبح فن القصة في يده فناًمطوعاً يعطي من الأشكال الجديدة بقدر ما يقبل الكاتب نفسه من حدود القصة القصيرة وإمكانياتها .

وقصة “الجامع في الدرب” قصة كاملة التكنيك ولذلك لا يمكن عرضها عرضا سليما إلا بوصف هذا التكنيك، والعنوان يعطي الأساس الأول للتكنيك وهو المكان، والأساس الثاني للتكنيك، وهو الابتكار الرائع لنجيب محفوظ هو طريقة تعاقب اللوحات في القصة.

* فاللوحة الأولي في القصة: 

   المكان “الجامع والدرب”

إن ثقافة المكان تشكل بنية نصية حية في النص الروائي ، لها قدرتها علي التفاعل والانسجام  مع الشخصيات والأحداث ، كما تمكن الروائي من النهوض ببنيات الحوار، والمكان عنصر من عناصر البناء القصصي التي تتحرك فيه الشخصيات، فكل حادثة لابد أن تقع في مكان معين، وترتبط بظروف وعادات ومبادئ خاصة بالمكان التي وقعت فيه  وهذا يضفي علي جو القصة حيوية، لأنه يمثل البطانة النفسية للقصة.

وقد يعطي الكاتب الأولوية للبيئة الداخلية والمغلقة، أو البيئة الخارجية والمفتوحة أو البيئة الدينية، وغير الدينية، والاجتماعية أو قد يوليها للمناخ السياسي، أو النفسي أو الإنساني، وذلك بحسب مضمون القصة، فيخضع شخوصه لهذه البيئة التي تتناسب والأحداث الدائرة فيها.

وقد يجعل الكاتب المكان مقدمة للقصة وممهدا لها . ثم يبدأ بذكر الحدث  أو رسم الشخصية وقد رسمه في ثنايا القصة ،وقد يأتي ذكره خلال الأحداث أو عند تصوير الشخصية وعند تصوير المكان لابد من تصوير الجو العام ، حتي يحس القارئ بكل ما يحيط بالأحداث إحساسا دقيقا .

قال الإمام عبد ربه” هيهات أن يرتاح قلبي لاجتماع كل هؤلاء الأشرار في مكان واحد، إن الله لا يجمعهم في مكان واحد إلا لأمر …..!”

اختار محفوظ الجامع في درب الفساد ليكون مسرحا لأحداث قصته .ويدخل بنا إلي الجامع من بداية القصة ،فيرسم الجو الداخلي للجامع . كما يصف علاقة الشخوص الإيجابية والسلبية بهذا المكان . ويوضح من خلاله فكرته الفلسفية عن الموت والقدر ،”الدرب هنا هو درب كان معروفا علي عهد البغاء الرسمي في بعض منعطفات شارع (كلوت بك) التي لم تزل قائمة إلي الآن بدروبها. يرتفع ،إليها السائر بسلالم من حجارة الأرصفة السوداء المتكسرة من كثرة ما وطأتها الأقدام منذ مائة سنة أو أكثر”.

فالجامع يقع بين ملتقي دربين : درب الفساد الشهير (درب طياب)، ودرب آخر بمثابة مباءة للقوادين والبرمجة ،وموزعي المخدرات كان الموقع مناسبا كي يستطيع الكاتب رسم مقارنة

بين الإمام “عبد ربه”وبين أهل الدرب. ومن خلال المكان الديني، والمكان الاجتماعي المفتوح غير الديني”. وذلك بإشارات رامزة واضحة لا غموض فيها . قدمها محفوظ وعبر عنها تعبيرا فنيا ،وذلك في زمن كان للنقود فيه أثر فعال في حياة الشخوص.

وقد استقي محفوظ مادته القصصية من خلال العلاقة بين هذين المكانين : المكان الديني، واللا ديني، وعرفنا من خلالهما مواقف الشخوص فمنها من يظهر الايمان وقلبه مليئ بالنفاق، ومنها ما كان ظاهره الدعارة بدافع الحاجة بينما القلب مفعم بالإيمان الصادق والإخلاص ، هذا من ناحية ما قدمه الكاتب من صور واقعية للحياة، وفي الوقت نفسه قدم لنا فكرة فلسفية حتمية تحكم الإنسان أينما كان …..في بناء واقعي رمزي مكثف.

لقد أدي الجامع دوره الهام في “درب الفساد”،حيث لجأ إليه أهل الدرب للخلاص من الفناء (الموت)،لاذ به السكان طلبا للنجاة بدليل ايمانهم القوي الصادق ، رغم فسادهم الذي أجبرتهم عليه الظروف المحيطة بهم من أجل لقمة العيش ،بينما كان الموت من نصيب الإمام عبد ربه ،فهو رغم هروبه من المصير المحتوم ومن قدره إلا أن القدر والمصير لحقا به خارج جدران الجامع ، ولاعتقاده أن المسجد سيهدم علي من فيه، فنجده نسي ما قاله رسول الله صلي الله عليه وسلم عن رب العزة ” من دخل بيتي فهو آمن”فالجامع هنا رمز لوجود قوة خفية عظمي أقوي من البشر تتحكم في مصيرهم .

فالمكان عند محفوظ جزء من الواقع المختلط بالرمز ، كما أنه متمم للشخصية مساهما في سير أغوارها والكشف عن آرائها ونفسياتها وأفكارها، مساهما أيضا في تطوير الحدث ، فمحفوظ لم يأت بالمكان في قصصه عبثا دون أن يكون له أثر فيما ذكرنا،ندرك من خلاله نظرة الكاتب إلي المستقبل المنتظر المليئ بالأحلام ، مكسبا البناء زيادة في التماسك والقوة ، والمسجد في قصة الجامع في الدرب رمز للقوة الخفية ، لعلنا نلاحظ أيضا تأثير هذه القوة في النفوس عند كاتبنا ” يحي حقي” في روايته “قنديل أم هاشم ” فالمقام السيدة وزيت قنديل المقام تأثيره الواضح في شخوص الرواية ،  والقوة الخفية هنا تجاوزت الزمن محتفظة بقوتها، وانتصارها علي القوة المادية المتمثلة بالغارات ، والقنابل . فتستطيع أن تدمر أي شئ ولكن أحدا لا يستطيع تدميرها ، وأن فاعليتها أقي من فاعلية الزمن وأكثر ديمومة.

وفي ذلك الزمن كان الإنسان المؤمن يرتاح لمثل هذه الأماكن الدينية، فيجد فيها خلاصة ونجاة من ويلات الزمن وأحداثه ، يجد فيها راحته النفسية. وهذا ما حدث فالزمن استطاع أن يدمر النفاق ، لأن النفاق أقل ديمومة، أما الإيمان الحق فأكثر ديمومة من القوي المادية ، ولأن الإيمان تدعمه قوة خفية.

*اللوحة الثانية: الزمن

نلتقي مع الزمن المدمر لضمير الإنسان ، في قصة “الجامع في الدرب” الزمن الذي دفع بالإمام “عبد ربه” إلي النفاق ، فالإمام  عبد ربه مطلوب منه أن ينافق القصر وحكومة صدقي ، ويقوم بدعاية لها في خطبة الجمعة ، مخالفا ضميره والشرع ، فيرضخ لهذا أو يتاجر برأيه ومركزه الديني …..خوفا علي لقمة العيش ، الكفاف التي لا يملك لها مصدرا غير الإمامة ، ويضغط علي ضميره ويغالطه في سبيل معدته ومعدة أولاده.  

والزمن هنا يساعد الكاتب في رسم صورة لأهل درب الفساد، مقارنا بهم صورة الإمام عبد ربه.فالجامع الذي نقل إليه الإمام يقع في درب الفساد، ومنذ أن نقل إليه لم يجد مستمعا لدرسه في الجامع سوي المؤذن والخادم، وعم حسنين بياع عصير القصب ، وكان موعد الدرس(العصر)، فكيف سيحض الناس درس العصر في الجامع ؟ والعصر هو الزمن الذي تدب فيه الحركة في درب الفساد ، حيث يستيقظ الدرب من سباته العميق عصر كل يوم ،وترش الأرض بالجرادل المملوءة بالماء وفتح الأبواب وطرقها طرقات غريبة.

وهكذا أصبح يوم الجمعة كغيره من الأيام ،إذ كان الزمن هو الزمن المحدد الذي ياتي فيه الناس من أماكن بعيدة من الخازندار والعتبة . وتقام الصلاة رغم خلو الجامع في الأيام الأخري من الناس ، أما الآن فلم يعد أحد يأتي إلي الجامع للصلاة ، خاصة بعد أن علموا بنفاق الإمام ،وتحول الخطب الدينية إلي خطب سياسية ،يؤيد فيه الحاكم الطاغي المستبد وهذا لا يرضي عنه الدين ،ولأن الدين يطالب الناس بإطاعة الحاكم الإنساني العادل.

ويرسم صورة أخري للمومس (سمارا ونبوية)في حجرة بالبيت الثاني علي اليسار من الدرب ز والزمن الذي دفعها إلي هذا العمل ، زمن ضياع وخيبة ، الحظ لمن يحصل علي المال والشهرة بدليل قول سمارا:
قالت متنهدة:”يا بخته بكلمتين يربح الذهب ، ونحن لا نستحق قرشا إلا بعرق جسمنا كله..”

ويدور الزمن حركة دائرية ، كي يدع القدر يلعب لعبته مع الإمام عبد ربه وأهل الدرب . وكان القدر هنا هو الزمن الذي يلعب بمصائر البشر ،إذ تنطلق صفارة الإنذار أثناء صعود عبد ربه إلي المئذنة كي يؤذن ، وتولاه الذعر في فجر ذلك اليوم ، إذ أن الغارة أصبحت عادة في القاهرة  منذ أعلنت إيطاليا الحرب علي الحلفاء ، وفي تلك الأثناء يهرع أهل الدرب متخذين الجامع مخبأ لهم ، بدليل إيمانهم العميق رغم سلوكهم في طريق الفساد ، فهم يؤمنون بالله ،إلا أن ظروفهم التعيسة أرغمتهم علي سلوك هذا الطريق في ذلك الزمن ………….

ويبدو أن الكاتب يريد القول :
بأن الشروق عاد إلي حياة الناس  عندما خلت الدنيا من المنافقين . فالزمان انتصر علي النفاق والمنافقين، وحاك كفنهم بيديه ، كما منح النجاة للصادقين المؤمنين حقا، ولعل الكاتب يريد أن يثبت بأن النفاق لا يدوم طويلا، وأن زمن النفاق والكذب قصير، والكذب قصير ، وإن الفئة الثانية بلغت بر الأمان ، وزال الظلام من حولها بزوال النفاق.

* اللوحة الثالثة: شخصيات الدرب:

(أ): الإمام عبد ربه:

استطاع (محفوظ)أن ينقل فكرته للقارئ ، ويعبر عنها بتجسيد شخصية رئيسة هي شخصية الإمام (عبد ربه)، وموقفه واستجابته لسائر الشخوص الثانوية ، فالإمام (عبد ربه)شخصية رامزة لجميع الدلالات التي تتوافق معها وتأخذها من الشخوص الأخري.

ونلاحظ  أن الإمام (عبد ربه) كان له موقف خاص من مراقب الشؤون الدينية : ” وذات يوم دعي الشيخ عبد ربه بإشارة تليفونية إلي مقابلة المراقب العام للشؤون الدينية وقيل إنها دعوة للأئمة ، ولم يكن ذلك بالأمر غير المألوف ،وخاصة للظروف التي سبقت الدعوة ، ومع ذلك تساءل الرجل عما وراء الدعوة بشئ من القلق كيف والمراقب شخصية خطيرة تستمد خطورتها من قرابة لموظف كبير ملعون الاسم ، علي كل لسان ، موظف يجئ بالوزارة ويذهب بها…..”

والموقف الثاني هو موقف الصدور الكثيرة التي انقبضت دون أن يزايل البشر وجوه أصحابها وذلك بعد أن أشار المراقب العام إلي صورة معلقة ، فوق رأسه قائلا للأئمة :

“واجبنا نحوه ونحو الأسرة العلية ، هو ما دعا لهذا الاجتماع ….”   

نجد أن في هذه القصة هجاء تهكمي علي رجال الدين الأدعياء الموظفين ، فالشيخ عبد ربه ظهر هكذا ليس لأن إيمانه أكمل ولا أوسع ثقافة ولا لأن بصيرته أدق ، وإنما لأنه تخرج من معهد ديني وعمل في وزارة الأوقاف استخدم “الإمامة ” كسلطة ذات حكم قادرة علي القبول والرفض ، فكان مصيره تهكم موجع علي هذا الإدعاء .

ومن هنا ظهرت خطايا البدن المتمثلة في “البغايا”، أقل إثما من خطايا الفكر المتمثلة في “إمام المسجد”

إذن “العهر” هنا ليس قاصرا علي الانحراف الأخلاقي فمثله الانحراف الفكري ولا يختلف عنه “الانحراف العملي ، فكأن الانحراف ليس قاصرا علي الانحراف(الأخلاقي والفكري”لأن الانحراف العملي يوصل لنفس النتيجة ).

ذلك لأنه تاجر بعلمه عندما تملكه الخوف من الحاكم وردة فعله الذي سيعود عليه إذا لم يلق الخطبة السياسية يوم الجمعة ،وأملا منه في تحسين مرتبه وظروفه الاجتماعية ،ونجده تظاهر بعلمه عندما اعترض علي احتماء البغايا بالمسجد ،فلقد احتمين به ايقانا منهم بأنه الملاذ والملجأ الوحيد لهم من هلاك الغارات.

“من هو المنافق إذن ،ومن هو المؤمن ؟”

تقابلنا علي الجانب الآخر صورة صادق التعبير تجسدت في الشخصيات الثانوية في القصة فإنها تقغ موقف الرفض فهي ترفض موقف الإمام “عبد ربه”؛بدليل وجهة نظر كل شخصية وما جاء علي لسانها في ثنايا القصة ،وهذه الشخصيات تمثلت في الشيخ “خالد”والشيخ “مبارك”وزبون “سمارا”، أما “عم حسنين ” بائع عصير القصب فهو أيضا يقف موقف الرفض لموقف الإمام عبد ربه فرغم مواظبته علي حضور الدرس في الجامع ، إلا أنه أجاب الإمام إجابة فيها قليل من الرفض……

_ بهذا الاجتهاد ستصير عما قريب إماما يرجع إليه.

فابتسم العجوز في حياء وقال :

   علم الله لا حدود له …..

هذه العوامل هي العوامل المعاكسة لعامل النفاق ، أما العامل المساعد فهو مراقب عام الشؤون الدينية ، وقف إلي جانب العامل الذات “عبد ربه”في النفاق رغم أنه يبطن خلاف ما يظهر فهو إنسان مدعوم لقرابته لأحد الوزراء في الدولة ،ينفذ لهم مآربهم ،قلق يهمه المركز ، يتخذ من الدين منبرا لمبادئه ومعتقداته السياسية صحيحة كانت أم خاطئة……….

(ب) المرأة “المومس”

عرض نجيب محفوظ لصورة المرأة الشعبية التي تحولت إلي مومس في كثير من رواياته فمثلا في رواية”اللص والكلاب ” لقد أبرز نجيب جوانب كثيرة من جوانب المرأة المومس ، وعمد في كثير من الأحيان إلي إظهارها بمظهر الضحية المغلوبة علي أمرها التي اضطرتها الظروف للمتاجرة بجسدها حتي لا تموت جوعا هي وأسرتها …..

ومعظم المومس في روايات “نجيب محفوظ” وكثير من القصاصين أمثال “يحي حقي”ذوات نفوس طاهرة وقلوب عامرة بالخير ومليئة بالعواطف النبيلة ومواقفهن مع بطل الرواية تتسم بالنمو والنبل والإيثار  ،كما تبدو عظيمة الإيمان بالقدر وعلي أتم الاقتناع به فهذا مشهد الفتيات المومس المتحلقات  حول مقام السيدة في رواية “قنديل أم هاشم”ليحي حقي وهن يبكين ويسألنها متي تكون التوبة ، فهذا شعور يوجد بداخل القصاصين فهم قد تلمسوا نبض الروح الشعبية وليس الشكل في الحياة الشعبية.

كما أن “نجيب “قد استخدم أيضا المرأة المومس في رواياته ليستفيد منها روائيا ، أي يسخرها لدور معين ويجعل منها أداة تكشف خبايا نفس البطل ،أو تكشف الرياء والغش أي فساد نفوس الشخصيات الفاضلة من الرجال المحترمين الذين يحيطون بالمومس ……..

يقول نجيب في حديث له:

“إني قصدت بتصويرهن “المومسات” الحال التي ظهرن بها ،وعقد مقارنات ساخنة بينهن وبين المنحرفين من رجال المجتمع الذين لا ينتظر منهم الانحراف”.

وعلينا هنا أن نلاحظ أن نجيب قد اختار لبطلة روايته “اللص والكلاب” اسما له دلالة خاصة علي ما يريد إيصاله للقارئ  اسما معبرا “نور”فجميعنا يعلم قيمة النور وأثره في النفس فلقد فعل ذلك لانه أراد أن يجعل منها نورا يضيئ ظلمات اليأس التي أحاطت بالبطل طريد العدالة “سعيد مهران”.

كما قال في حديث آخر:
“أما المرأة المومس ،فإن استعمالي لها في الروايات لا يمكن تسميته جنسا، لأنها موظفة توظيفا اجتماعيا بحتا ،لقد كنت استعملها حتي أوضح لك بشكل قاس،ومباشر فساد أناس المفروض فيهم عدم الفساد……”

إن أول ما يذكر اسم المومس يتبادر إلي أذهان الناس بأنها تلك الإنسانة التي تعيش في الحضيض النفسي والاجتماعي تتاجر بجسدها كي تعيش منه ، وهي تجارة كغيرها من أنواع التجارة ، فالتاجرة إما أن تكون في بيت خاص يأتي إليها الزبائن ، وإما أن تقف في الشارع المظلم عند نور خاص تتصيد الرجال ، ومن يقرأ قصص محفوظ لابد أنه سيعثر علي المومس ، ولكن كيف استخدمها محفوظ…”

فالوظيفة الاجتماعية التي تؤديها المومس هي عنصر خطير في البناء التعبيري كما صرح محفوظ عن المرأة المومس ، وتتضح رؤية الكاتب في قصة “الثمن ” إذ يتحدث عن مومس كانت فتاة عادية لكن الزمن حكم عليها بأن تتحول إلي مومس تسير في طريقها طالبة الرزق .

وأيضا يؤكد لنا نجيب هذه الصورة بفتيات الجامع في الدرب:
فقد وظف نجيب هذه الصورة توظيفا اجتماعيا رائعا ليوضح للقارئ بشكل قاس ومباشر فساد أناس يفترض منهن عدم الفساد ، هذا من ناحية ومن ناحية أخري ،يبدو نجيب أكثر احتفاء بالنساء الخاطئات حيث يقيم علي بعضهن بنيان قصته فعن طريقها يؤكد أيضا علي أن معظم النساء ينحرفن نتيجة ظروف ساحقة ، فإن لم تكن امرأة مصابة في عقلها فإنها لا ترضي بهذه الحياة ، وبالمقابل يحمل الرجال مسؤولية انحرافهن:

  “فلعلنا ننظر إلي المرأة التي تبكي فتحثها المعلمة علي التعزي كيلا يضيع الرزق كما ضاع الفقيد ، وأخري تضحك ضحكة هستيرية لأنها لم تنس بعد مصرع زميلتها وهي قاعدة إلي جانبها، وهذه فردوس التي ضحك عليها الخواجة وابتز منها مائة جنيه وهجرها وهي الشابة التي تمارس الدعارة ، مبتذلة، فقيرة، قلقة،ضائعة، تتمني في أعماقها أن تعيش حياة مستقرة هادئة ،إلا أن ظروفها المريرة أرغمتها علي بيع جسدها “.

وفي مشهد أوسط من مشاهد القصة يجري في أحد  تلك البيوت وقت صلاة الجمعة ، بين الفتاة المسكينة “سمارا ” وزبون جديد ، الرجل يسمع كلام الخطيب ،ويصفه بالنفاق ، ثم يلاحظ صورة”سعد زغلول”في أحد جوانب الحجرة ،فيقول:

“سمارا وطنية ، وشيخ منافق “

فتجيبه متنهدة

“يا بخته بكلمتين يربح الذهب ، ونحن لا نستحق قرشا إلا بعرض جسمنا كله”

ويقول:” ثمة رجال محترمون لا يختلفون عنك في شئ ولكن من يجد الشجاعة ليقول ذلك ؟”

“وقاتل نبوية معروف للجميع ولكن من يجد الشجاعة ليشهد بذلك؟”

“نبوية ….المسكينة…..من قاتلها ؟”
    
وها هو محفوظ تظهر شجاعته علي لسان زبون “سمارا”……..

وتتضح وجهة نظر “سمارا”من إجابتها علي سؤال زبونها الفضولي بشئ من الضجر ، تاركة التغيير لمن يملك التغيير فيقول:

         “ألا  تخافين الله؟”

      فقالت بشئ من الضجر:

      “ربنا يتوب علينا”

لعل محفوظ متعاطف مع “سمارا” ، موجها التهمة إلي المجتمع والمحترمين من الناس بدليل  الحوار الذي دار بين “سمارا وزبونها”.

**ومن بين اللوحات الثلاث نقرأ أن:

هذه الوجوه المشرقة تخفي ورائها قلوبا حزينة كئيبة ،قلقة ، ضائعة ظاهرها الدعارة والإجرام والفساد،،أما باطنها فهو الإيمان والوطنية الصادقة ، شخصيات ثائرة النفوس ، ولكن ما جدوي الثورة ، وهم يعيشون بدرب يفرض عليهم الفساد والنفاق والتملق وممارسة الدعارة من أجل الحصول علي المال والشهرة ولقمة العيش ، حتي الإمام “عبد ربه”لا تستطيع إلقاء كل اللوم عليه فظروفه القاسية أرغمته علي قبول ما دعا إليه مراقب عام الشؤون الدينية.

فكل واحد من هؤلاء يعيش أزمته بطريقته الخاصة والتي تعود عليه بالنفع المادي… فالشيخ “عبد ربه”تجده يحل أزمته بإلقاء الخطبة السياسية، و(شلظم) يحل أزمته بالقتل ، وبعض المصلين ثاروا علي الإمام عبد ربه وبعضهم كان أكثر جرأة فترك الجامع والصلاة ،وآخرون قادهم المخبرون إلي السجن ،و(سمارا)وطنية رغم ممارستها الدعارة مع زبونها لتحل أزمتها….

إن صورة “المرأة المومس” تسجل استمرارية التصاق نجيب محفوظ بواقعنا المعاصر ومحاولته الدائبة لمرافقة خطي أزمات الإنسان في مجتمعنا ، فكل الصور السابقة بلمحتها الفنية ،ملتصقة بالأرض المصرية، استطاعت إلي جانب تعبيرها عن بعض ما في الواقع المصري من قضايا .

لقد رسم لنا نجيب محفوظ رؤيته الخاصة لعلاقة الإنسان بكافة القوي المحيطة به في الداخل والخارج والمعني عنده يتخلل منذ بداية القصة ووسطها ونهايتها فقد قدم أبطال القصة من دون أقنعة ولا غموض فالمعني يصل للقارئ منذ بداية القصة فتصبح القصة تجسيدا لرفض حاد للنفاق وللمنافقين ،ويتجسد هذا الرفض في بنية متشابكة العلاقات .

تتجمع الأزمات لكي تصل بنا إلي لحظة المفارقة لحظة التنوير ،هذه اللحظة التي تضع ختاما للحظة التي تصورها القصة فهي لحظة ليست بالمستجلبة من الخارج وإنما تكون مستمدة من خيوط  النسيج القصصي وهذه القصة تجري أثناء غارة جوية ، ومن ثم فإن توقعات القارئ لم تذهب بعيدا عن احتمال سقوط قنبلة مدمرة في لحظة ما ،وفي مكان ما فتتوالي الغارات الجوية وتتساقط القنابل علي سماء الدرب ، فيسرع أهل درب الفساد إلي الجامع يحتمون به لإيمانهم الشديد بالله ، أما الشيخ “عبد ربه”فضاق بهذا الجمع الفاسد في بيت الله ،وظن أن الله سبحانه وتعالي سينتقم منهم بالموت ، فهرب إلي خارج الجامع ،آملا في النجاة بنفسه ،ونسي أن المؤمن الحق لا يخاف من الموت ،ذلك لأنه من الحقائق الغيبية التي يؤمن بها كل مؤمن.

فيمر من الباب وهو يقول :

“لا يجمعهم الله في مكان واحد إلا لأمر…….”

فنجيب أنطق هذه الشخصية حتي تظهر الدلالة الكبري “نور الصباح”وعندئذ تتوقف الغارات ،وتكون النجاة للجميع بنهاية المنافقين فقد عثر علي جثة “عبد ربه”عند الشروق…..

فلقد كان موته ضربة من ضربات القدر ، وصوره معبرة ناطقة يتضح من خلالها أن النفاق لابد أن يزول يوما ما ،وأن المنافقين لا بقاء لهم وسط هؤلاء .

وما من شك إذن أن “نجيب”استطاع بمرونة موهبته الخلاقة أن يقدم عملا فنياً سيذكر دوماً ،بين شوامخ أعماله

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

عن ELkebar-admin

مجــلة الكبـــار .. مجــلة اقتصــادية شــهرية تعد ملتقى الخــبراء وقــادة الــرأي في المجــال الاقتصــادي , ونافــذة رجــال الأعمــال والمســتثمرين على المشــروعات الاقتصــادية التي تهدف إلى عــرض ومناقشــة القضــايا الاقتصــادية المصــرية والعربيــة والدوليــة بأســلوب موضــوعي وأمــانة صحفيــة وتقديــم الخدمــات الاســتثمارية والبنــكية والتجــارية لقطــاعات المجتمــع .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.