مختارات
الرئيسية / مقال رئيس التحرير / أول القصيدة .. كفر .. بقلم : باهر السليمي

أول القصيدة .. كفر .. بقلم : باهر السليمي

لم يمر سوى 24 ساعة على تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي الذي جمع بين الاثنتين وزارة الاسكان ورئاسة مجلس الوزراء 2*1 .. أقول لم يمر سوى 24 ساعة على هذا التغيير وإذا بالحكومة تباغت الشعب المصري المغلوب على أمره برفع أسعار المحروقات .. الذي أطلقت عليه تحريك الأسعار وليس رفعها ..
هذا القرار مثل غيره من القرارات العشوائية والغبية وأخرها قرار رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق في بداية شهر رمضان المبارك .. هذه القرارات أثرت بشكل مباشر وقوي على محدودي الدخل والأسر الفقيرة ومتوسطة الدخول التي عانت وما زالت تعاني من مثل هذه القرارات المتعنته والمتخبطة التي ” قضمت ظهر المواطن المصري ” .
أعتقد أن الحكومات المتعاقبة ومنها الحكومة الحالية تفتقر إلى عقلية الأدارة السليمة والرشيدة .. فما تتخذه من قرارات اقتصادية على مدار السنوات الماضية ومنها أيضا قرار تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه المصري ورفع الدعم عن السلع الضرورية يثبت بكل تأكيد أن من يتولى زمام أمور هذا البلد ليس لدية ذرة تفكير أو قناعة بأن الشعب لم يعد يتحمل مثل هذه القرارات التي ستؤدي عاجلا أم أجلا إلى مجاعة يضيع فيها الأخضر واليابس .
أول القصيدة كفر .. هو العنوان اللائق بالقرار الذي اتخذته حكومة مصطفى مدبولي صبيحة ثاني أيام عيد الفطر المبارك .. لم يهن على هذه الحكومة أن تترك الشعب يعيش فرحة العيد .. وكالعادة أصدرت قرارة أضاع فرحة العيد وبات الشعب يومه وليلته في نكد وحزن مصحوبا ” بالحسبنة ” على الحكومة ورئيس وزارائها الجديد ” مدبولي ” .
للأسف الحكومة الحالية لا تدرك أن ما تفعله في الشعب المصري قد يؤدي إلى مجاعة حقيقية .. وقتها لا تلوم الحكومة أو القيادة السياسية إلا نفسها .. أكيد هناك بدائل كثيرة يمكن للحكومة أن تتخذها بعيدا عن جيوب الغلابة لكنها كعادتها ” القذرة ” تفضل الحلول السهلة والتقليدية .
ما اتوقعة هذه استمرت الحكومة والدولة في قراراتها هذه .. فأن المستقبل سيعود بنا إلى الماضي وتحديدا في
عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي الذي شهد أكثر الكوارث فتكًا واعتاها قساوة وأبشعها صورًا التي ضربت مصر والتي عرفت بالشدة المستنصرية .

لم يعرف التاريخ المصري ولم يشهد الإنسان المصري ما هو أبشع منها، لقد كانت الشدة المستنصرية سابقة في تاريخ المحروسة لم تشهدها من قبل ولم تشهد مثلها منذ انتهاءها وحتى الآن. انخفض منسوب المياة وجفت الأراضي الزراعية، مات النبات وهلك الحرث والنسل، فقد الناس أعمالهم وفقدت الأموال قيمتها، شح الرزق وخابت الأماني وظن الناس أن الساعة كادت أن تقوم.

لم تكن الشدة المستنصرية هي الأزمة الاقتصادية الأولى التي ضربت مصر في عهد المستنصر بل سبقها إحدى الأزمات الشديدة. كانت من التقاليد المتعارف عليها لإدارة شئون البلاد هو أن يقوم الخليفة بشراء غلة بقيمة مائة ألف دينار سنويًا حتى يستطيع أن يسيطر على الأسواق وأسعار السلع. يستطيع الخليفة بهذه المؤن المخزنة أن يواجه جشع التجار بالمنافسة ويحارب الاحتكار بوفرة الموارد لديه، وظلت هذه العادة قائمة لسنوات طويلة حتى أصبحت غير ذات جدوى لأن الأمور استقامت والأسعار أضحت بخسة وأشار عليه الوزير (أبي محمد على البازوي) بأنه لا داعي لشراء هذه الغلة. لقلة حنكة الخليفة وعدم امتلاكه لرؤية ثاقبة وبصيرة لامعة انصاع لنصائح وزيره الغشيم حتى حدث ما لم يحمد عقباه.

في العام (٤٤٤ هجريًا) أصابت الأقدار غير المحمودة مصر، حيث انخفض منسوب المياه اللازمة للزراعة فشحت الغلة وارتفعت الأسعار. وما زاد الطين بله أن التجار قد ازداد جشعهم لاستغلال المواقف العصيبة، فلقد سارع التجار لتجويع السوق وتخزين الغلال ولم يعد هناك ملجأ سوي الغلة المخزنة في المخازن السلطانية التي لم يعد الخليفة يشتريها. ولكي يصلح الوزير ما قام بتخريبه قام بمصادرة القمح من مخارن التجار وأودعها في المخازن السلطانية كما قام الخليفة بالتفاوض مع ملك الروم (قسطنطين التاسع) لاستيراد اربعمائة ألف أردب من القمح لكن هذه الصفقة لم تتم بسبب وفاة الملك. ظلت الأزمة لمدة عشرين شهرًا حتى منّ الله على مصر ففاض نيلها وعادت الأوضاع إلى حالها الأول وارتوت الأراضي ونبت الزرع من جديد فأفاض الله بخيره على أهل المحروسة كعادته دائمًا.

الشدة المستنصرية العظمى

كان الفصل الثاني من الأزمات الاقتصادية في عهد المستنصر هو الأكثر بطشًا حيث أن الشدة المستنصرية قد بدأت في العام (٤٥٧ هجريًا) واستمرت لسبع سنين عجاف. كان سبب الشدة الرئيسي هو انخفاض منسوب المياه ولكن ما جعلها أعتى أزمة مرت بها مصر هو أسبابها المتعددة والمعقدة. كان السبب الأول هو تدخل (أم) المستنصر تدخلًا فجًا في أمور الحكم، فأصبح منصب وزير الدولة يعطى لمن تريد دون سواه وتعاقب الوزراء عليه حتى إن التاريخ يذكرنا أن الحال قد وصل في فترة من الفترات بتبديل الوزير اسبوعيًا وأحيانًا يوميًا! وهو ما أدى بالضرورة إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد.

أما عن السبب الثاني هو الحرب التي دارت بين الجنود وبعضهم البعض، حيث أن الجيش الفاطمي يتألف من الأجناد التركية الذين تحالفوا مع جنود البربر وطردوا الأجناد السودانية من القاهرة إلى الصعيد، وحين وصل الأجناد السودانية إلى الصعيد عاثوا فيها فسادًا وعملوا على نشر الفساد وتعمدوا إفساد نظام الري لنشر القحط أكثر مما كان بسبب انخفاض منسوب المياه، أما عن الأتراك فلقد غدروا بالبرابرة وطردوهم من القاهرة إلى وجه بحري وسيطر الأتراك على القاهرة ونهبوا قصور الخليفة وأسرته وتقطعت أوصال المحروسة وانقطعت طرق نقل البضائع فبدأت المجاعة الكبري. كل هذه الأسباب بالإضافة إلى السبب الرئيسي وهو انخفاض منسوب المياه اللازمة للزراعة.

سنين عجاف

لم يعرف المصريين سنين عجاف كهذه السبعة التي أذلتهم، لم تعد هناك حياة كما يعرفها البشر فلقد فقد المصريين الغلة والقمح واللحوم وغيرها من صنوف الطعام. كانت الشدة المستنصرية ضربًا من ضروب الخيال التي يعجز العقل البشري عن تصديقها، فلقد أكل المصريين الميتات والجيف حتى أصبحت الكلاب والقطط تباع بأسعار باهظة لا يقوي عليها إلا كل ثري. وبعد فترة ليست بكبيرة اختفت الكلاب والقطط من الشوارع، أما عن سعر رغيف الخبز فلقد بلغ خمسة عشر دينارًا وثمن البيضة الواحدة من بيض الدجاج عشرة قراريط أما رواية الماء فقد بلغت سعرها دينارًا.

قد يعجز العقل عن تصديق هذه الأهوال ولكن أصبحت الأملاك كافة غير قادرة على شراء الموارد التي أصابتها الندرة وهو مبدأ اقتصادي معروف. ذٌكر في التاريخ أن وزير الدولة ذهب في التحقيق في إحدى الوقائع وعندما خرج لم يجد بغلته فلقد خطفها الناس وأكلوها، أما الطامة الكبري فهي أن الناس بدأت تأكل بعضها البعض.

ولأول مرة في تاريخ المحروسة أكل المصريون بعضهم، بدأت هذه الفاجعة بعد حدوث واقعة سرقة بغلة الوزير، فلقد ألقى الوزير القبض على ثلاثة ممن أكلوا بغلته وقام بصلبهم وعند الصبيحة لم يتبق من هذه الأجساد سوي العظام حيث التهم الناس لحومهم من شدة الجوع. وذٌكر أن هنالك زقاق يسمي بزقاق القتل كانت المنازل فيه منخفضة فعمل سكانها على إنزال الخطاطيف يصطادون بها المارة ومن ثم أكلهم. وصل الناس إلى درجة بيع كل ممتلكاتهم من أجل الحصول على الطعام فلم تعد للأموال فائدة أمام نُدرة الموارد، فلقد ذُكر أن النساء كُن يبعن مجوهراتهن الثمينة من أجل الحصول على قليل القليل من الطعام.

واقعة المرأة

كانت هناك واقعة شهيرة ذكرها لنا هذا التاريخ الأسود عن امرأة باعت عقدًا ثمينًا لها قيمته بحدود الألف دينار لتحصل على القليل من الدقيق لكن الناس نهبوه منها وهي في طريقها إلى المنزل ولم يتبق لها من الدقيق سوى ما يكفي لخبز رغيف واحد، فأخذت هذا الرغيف ووقفت على مكان مرتفع وصاحت بأعلى صوتها (يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر بالله الذي أسعد الله الناس في أيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت على هذه القرصة بألف دينار).

وصلت الأزمة إلى المستنصر نفسه، فلم يعد هناك في حظيرته من الدواب شيء وباع رخام قبور آباءه وأجداده من أجل الحصول على الطعام ووصل الحال إنه أصبح مدينا بحياته لأبنة أحد الفقهاء التي اطعمته تصدُقا برغيفين يوميا. مات ثلث سكان المحروسة وبيعت بيوت ثمينة لشراء أرغفة العيش وطحنت المجاعة بالشعب أكثر وأكثر حتى وصل السيل الزبى.

هذا هو التاريخ وهذه هى دروسه .. فهل نتعلم أم سنظل جهلاء .. أغبياء ؟!

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

عن ELkebar-admin

رئيس تحرير مجلة الكبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*